إنّ بناء الجماعة الصالحة وتنظيم شؤونها وتحرّك الائمة عليهم السلام من خلالها كان هدفاً أساسيّاً لأهل البيت عليهم السلام وقد قاموا بإشادة صرحه منذ عصر الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام واستمروا بإكمال البناء وتعميق الطرح وتوسيع دائرة العمل حتى عصر الإمام الحسن العسكري عليه السلام وابنه الإمام المهدي عجل الله فرجه.

لقد كانت رقابة السلطة الحاكمة على تحرّكات أهل البيت عليهم السلام تزيد في ضرورة إكمال الطرح والبناء. وكان لأصحاب الأئمة عليهم السلام وتلامذتهم وثقاتهم دور رساليّ في تحقيق بعض أهداف الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وكان لاتّساع دائرة أفراد الجماعة الصالحة وتعدد مراكز النشاط والحضور في مختلف حواضر العالم الإسلامي أثر كبير في إيجاد وتوسيع دائرة نظام الوكلاء الذي كان قد أصبح ضرورة من ضرورات عمل الائمة عليهم السلام ليساعدهم على سهولة وسرعة التحرّك والارتباط.

كما كان لازدياد الضغط والرقابة عليهم لا سيَّما في عصر الإمام الرضا عليه السلام بعد قبوله ولاية العهد ثم الإمام الجواد عليه السلام أثر بالغ في الاهتمام الكبير بنظام الوكلاء الذي كان يشرف عليه الإمام المعصوم مباشرة، إذا كان الارتباط بالوكلاء بحاجة إلى دقة ومراقبة لحراجة الظرف المحيط بالإمام عليه السلام .

إن البحث عن دقة الإمام الجواد عليه السلام في التحرك بعد الاعتراف بأنه الإمام المعصوم والقائد الشرعي للأمة المسلمة الذي ورث العلم والخط الصحيح من آبائه الميامين المنتجبين عليهم السلام يكون بحثاً مفروغاً منه.

ـــــــــ

(١) الأعراف (٧): ٩٧.

(٢) تحف العقول: ٤٥٦.


وإنّ دراسة حياة الإمام الجواد عليه السلام تكشف للدارس بشكل واضح وجليّ مدى الدقة والمتانة في التحرك عند الإمام عليه السلام ، فكل مفردة مرتبطة مع نظيرتها ومتجانسة مع ظرفها ومعبرة عن رأي الرسالة في ذلك الموضوع.

وعند الحديث عن أساليب العمل عند الإمام عليه السلام يَرد هذا الكلام كذلك، وسنذكر لتوضيح هذه القضية نماذج لتبيان المقصد.

ومن أصول التحرّك عند الإمام عليه السلام تجاه قواعده الشعبية يمكن ذكر ما يلي:

ب ـ المراسلات السرّيّة:

لا شك في أن الاتصالات كانت جارية بين الإمام وأتباعه إلاّ أن بعضها كان سريّاً وذلك خشية تفشّي أسماء مرسليها إلى الإمام خصوصاً وأن الإمام كان مرصوداً من الداخل عن طريق زوجته.

هذا إلى جانب أن نمطاً معيناً من الرسائل كان يصل الإمام دون ذكر أسماء مرسليها عليها، ولكن الإمام عليه السلام كان يستطيع معرفة المرسلين لهذه الرسائل بطريقته الخاصة، ولا نستبعد أن ذلك كان يتم عن طريق وجود رمز معين في هذه الرسائل، هذا إذا لم نحاول تفسير ذلك بعلم الإمام المعصوم بالغيب، باعتبار أنه:إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك (١) .

قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: (دخلت على أبي جعفر

ـــــــــ

(١) راجع أصول الكافي: ١ / ٢٠١.


الثاني عليه السلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت عليّ فاغتممت لذلك، فتناول إحداهن وقال:هذه رقعة ريّان بن شبيب ثم تناول الثانية فقال:هذه رقعة محمد بن حمزة وتناول الثالثة وقال:هذه رقعة فلان فبهت فنظر إليَّ وتبسّم عليه السلام )(١) .

وقد أحصيت مكاتبات الإمام الجواد عليه السلام ـ بحسب ما جاء في موسوعة الإمام الجواد عليه السلام ـ فبلغت اثنين وسبعين مكاتبة(٢) .