حثّ الإمام عليه السلام على العمل وطلب الرزق كمقدمة للاستغناء عن الناس، وإشباع النفس والعيال لكي يتفرغوا للهدف الكبير الذي خُلقوا من أجله وهو حمل الأمانة الإلهية، وتبليغها للناس جميعاً، وتقرير أسسها وقواعدها في الواقع، فقد أراد من أتباعه التطلع إلى أفق أعلى، والى اهتمامات أرفع لتكون القيم المعنوية هي الحاكمة على جميع تصرفاتهم المالية، ولكي لا ينساقوا وراء الشهوات وينشغلوا بإشباعها، قال عليه السلام :(إن أهل التقوى هم الأغنياء، أغناهم القليل من الدنيا، فمؤنتهم يسيرة أخّروا شهواتهم ولذاتهم خلفهم) (٣) .

وبيّن في دعاء له الأهداف المتوخاة من طلب الرزق وحدوده، والتوازن بينه وبين القيم المعنوية، ومن دعائه قوله عليه السلام :(... أسألك اللهمَّ الرّفاهية في معيشتي ما أبقيتني، معيشة أقوى بها على طاعتك، وأبلغ بها رضوانك، وأصير بها بمنّك إلى دار الحيوان، ولا ترزقني رزقاً يطغيني، ولا تبتلني بفقر أشقى به، مضيّقاً عليّ، أعطني حظاً وافراً في آخرتي، ومعاشاً واسعاً هنيئاً مريئاً في دنياي ...) (٤) .

ــــــــــــــ

(١) الكافي: ٥ / ١٤٧.

(٢) المصدر السابق: ٥ / ١١٦ .

(٣) تحف العقول: ٢٠٩.

(٤) بحار الأنوار: ٩٤ / ٣٧٩، طبعة ثانية: ٩٧ / ٣٧٩.


وبيّن عليه السلام الميزان الاقتصادي والمالي للجماعة الصالحة لتوزن به درجة قربها وبعدها عن العمل للآخرة فقال:(إنّا لنحبّ الدنيا ولا نؤتاها، وهو خير لنا، وما أوتي عبد منها شيئاً إلاّ كان أنقص لحظه في الآخرة، وليس من شيعتنا من له مئة ألف ولا خمسون ألفاً ولا أربعون ألفاً، ولو شئت أن أقول ثلاثون ألفاً لقلت، وما جمع رجل قط عشرة الآف من حلّها) (١) .

ودعا عليه السلام إلى الاقتصاد في إشباع الرغبات والشهوات لكي لا تصبح هدفاً بذاتها، فقال عليه السلام :(إذا شبع البطن طغى) (٢) .

وقال أيضاً:(ما من شيء أبغض إلى الله عَزَّ وجَلَّ من بطن مملوء) (٣) .