في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والرسالة الإسلامية مساحة واسعة لبيت عليّ وفاطمة وأبنائهما عليهم السلام ومعاني ودلالات عميقة حيث إنّه البيت الذي سيحتضن الرسالة ويتحمّل عبء الخلافة ومسؤولية صيانة الدين والأمة.

وكان لا بدّ لهذا البيت أن ينال القسط الأوفى والحظّ الأوفر من فيض حبّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ورعايته وأبوته، فلم يدّخر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسعاً أن يروّي شجرته المباركة في بيت علىّ عليه السلام ويتعهّدها صباح مساء مبيّناً أنّ مصير الأمة مرهون بسلامة هذا البيت وطاعة أهله كما يتجلّى ذلك في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنّ علياً راية الهدى بعدي وإمام أوليائي ونور من أطاعني)(1) .

وحين أشرقت الدنيا بولادة الحسين عليه السلام ; أخذ مكانته السامية في قلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وموضعه الرفيع في حياة الرسالة.

____________________

(1) حلية الأولياء: 1 / 67، ونظم درر السمطين: 114، وتاريخ ابن عساكر: 2 / 189 ح 680، ومقتل الخوارزمي: 1 / 43، وجامع الجوامع (للسيوطي): 6 / 396، ومنتخب الكنز: 6 / 953 ح2539، والفصول المهمة لابن الصباغ: 107، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: 173، ومجمع الزوائد: 9 / 135، وكنز العمّال: 5/153، وصحيح الترمذي: 5 / 328 ح3874، وأُسد الغابة: 2 / 12.


وبعين الخبير البصير والمعصوم المسدّد من السماء وجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الوليد الجديد وريثاً للرسالة بعد حين، ثائراً في الأمة بعد زيغ وسكون، مصلحاً في الدين بعد انحراف واندثار، محيياً للسنّة بعد تضييع وإنكار، فراح النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يهيّئه ويعدّه لحمل الرسالة الكبرى مستعيناً في ذلك بعواطفه وساعات يومه، وبهديه وعلمه; إذ عمّا قليل سيضطلع بمهام الإمامة في الرسالة الخاتمة بأمر الله تعالى.

فها هوصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (الحسن والحسين ابناي من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله الجنّة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار)(1) .

وهل الحب إلاّ مقدمة الطاعة وقبول الولاية؟ بل هما بعينهما في المآل.

لقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يتألّم لبكائه ويتفقّده في يقظته ونومه، يوصي أمه الطاهرة فاطمة صلوات الله عليها أن تغمر ولده المبارك بكلّ مشاعر الحنان والرفق(2) .

حتّى إذا درج الحسين عليه السلام صبيّاً يتحرّك شرع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يلفت نظر الناس إليه ويهيّئ الأجواء لأن تقبل الأمة وصاية ابن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عليها، فكم تأنّى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في سجوده والحسين يعلو ظهرهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليظهر للأمة حبّه له وكذا مكانته، وكم سارع النبي يقطع خطبته ليلقف ابنه القادم نحوه متعثّراً فيرفعه معه على منبره(3) ؟ كلّ ذلك ليدلّ على منزلته ودوره الخطير في مستقبل الأمة.

____________________

(1) مستدرك الحاكم: 3 / 166، وتأريخ ابن عساكر: ترجمة الإمام الحسين عليه السلام ، وإعلام الورى: 1 / 432.

(2) مجمع الزوائد: 9 / 201، وسير أعلام النبلاء: 3 / 191، وذخائر العقبى: 143.

(3) مسند أحمد: 5/354، وإعلام الورى: 1/433، وكنز العمال: 7/168،وصحيح الترمذي: 5 / 616 / ح3774.


وحين قدم وفد نصارى نجران يحاجج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في دعوته إلى الإسلام وعقيدة التوحيد الخالص وامتنع عن قبولها رغم وضوح الحق أمر الله تعالى بالمباهلة، فخرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إليهم ومعه خير أهل الأرض تقوىً وصلاحاً وأعزّهم على الله مكانةً ومنزلةً: عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، ليباهل بهم أهل الكفر والشرك وانحراف المعتقد، ومُدَلّلاً بذلك - في نفس الوقت - على أنّهم أهل بيت النبوة وبهم تقوم الرسالة الإسلامية، فعطاؤهم من أجل العقيدة لا ينضب(1) .

وما كان من النصارى إذ رأوا وجوهاً مشرقة وطافحة بنور التوحيد والعصمة؛ إلاّ أن تراجعوا عن المباهلة وقبلوا بأن يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.

لقد كانت هذه الفترة القصيرة التي عاشها الحسين عليه السلام مع جدّه (صلّى الله عليه وآله) من أهمّ الفترات وأروعها في تأريخ الإسلام كلّه، فقد وطّد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فيها أركان دولته المباركة، وأقامها على أساس العلم والإيمان، وهزم جيوش الشرك، وهدم قواعد الإلحاد، وأخذت الانتصارات الرائعة تترى على الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه الأوفياء حيث أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.

وفي غمرة هذه الانتصارات فوجئت الأمة بالمصاب الجلل حين توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فخيّم الأسى العميق على المسلمين وبخاصة على أهل بيته عليهم السلام الذين أضنتهم المأساة، ولسعتهم حرارة المصيبة بغياب شخص النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

____________________

(1) مسند أحمد: 1 / 185، وصحيح مسلم: كتاب الفضائل باب فضائل علي: 2 / 360، وصحيح الترمذي: 4 / 293 ح5 208، والمستدرك على الصحيحين: 3 / 150.