لقد كان عامة المسلمين يتطلّعون بلهفة إلى من سيخلف عثمان عندما تتمخّض الأحداث عن قتله أو اعتزاله، ولقد كان الطامعون فيها أكثر من واحد، ومن بين أُولئك من عمّق مجرى الأحداث ووسّع دائرتها وأمدّ النار المتأجّجة بالوقود كطلحة والزبير وعائشة، وكان من أكثر الناس لهفة عليها طلحة، وبلغ به الحال أن سبق نتائج تلك الأحداث، وأخذ لنفسه المكان الذي قدّر أنّ الأيّام ستضعه فيه، فاستولى على بيت المال، وأقام الصلاة بالناس وعثمان محصور في داره لا يزال على قيد الحياة .

وبلا شك فإنّ الأربعة الباقين من الستّة أصحاب الشورى كانوا أوفر من سائر الناس حظّاً، وكان نصيب علي عليه السلام أوفر من نصيب الجميع، واليه تتّجه الجماهير في المدينة وخارجها، وحتى الثوار لم يعدلوا به أحداً، لأنّهم يعلمون بأنّه سيحقّق لهم الأهداف التي ثاروا من أجلها، ويعلمون في الوقت ذاته أنّ طلحة والزبير لم يغضبا للحقّ ولله، وأنّهما لا يختلفان عن عثمان وبطانته، وتأكّد ذلك لهم من موقفهما من عثمان خلال الأيام التي سبقت قتله .

وحدّث البلاذري في أنساب الأشراف: أنّ عليّاً عليه السلام لزم منزله بعد أن يئس من إصلاح الأمر بين الفريقين، فلما قتل عثمان وفرغ الناس من أمره وأدركوا أنّه لا بدّ لهم من إمام يجتمعون عليه; جاء الناس كلّهم إلى عليّ يهرعون، وهم يقولون : إنّ أميرنا عليّ بن أبي طالب، حتى دخلوا عليه الدار، وقالوا: امدُد يدك حتى نبايعك، فقال: ليس


ذلك إليكم، إنّما ذلك لأهل بدر، فمن رضي به البدريون فهو الخليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلاّ أتى عليّاً فقالوا: ما نرى أحداً أحقّ بها منك يا أبا الحسن(١) .

وقال الطبري في الجزء الثالث من تأريخه : إنّ أصحاب رسول الله جاءوه بعد مقتل عثمان، فقالوا له : لا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك، فقال: لا تفعلوا فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً، فقالوا : لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، وما زالوا به حتى قبل بيعتهم، ولكنه أبى إلاّ أن تكون في المسجد ويرضى جميع الناس(٢) .

وفي رواية ثالثة : أنّه أصرّ على رفض البيعة بالرغم من الإلحاح الشديد عليه، فتوسّلوا بالأشتر لإقناعه وكان على رأس وفد الكوفة، فقال له: أبسط يدك نبايعك، فرفضها، فألحّ عليه، وخوّفه الفتنة إن هو بقي على موقفه، وما زال به حتى أقنعه، فبايعه الوجوه، ثم انثال عليه الناس من كلّ جانب، وقام الزبير فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : أيّها الناس! إنّ الله قد رضي لكم حكم الشورى، فأذهب به الهوى، وقد تشاورنا فرضينا علياً فبايعوه(٣) .

وجاء في الإمامة والسياسة عن أبي ثور أنّه قال : لمّا كانت البيعة بعد مصرع عثمان; خرجت في أثر علي عليه السلام والناس حوله يبايعونه، فدخل حائطاً من حيطان بني مازن، فألجئوه إلى نخلة وحالوا بيني وبينه، فنظرت إليهم وقد أخذتْ أيدي الناس ذراعه تختلف أيديهم على يده، ثم أقبلوا به إلى المسجد الشريف، فكان أول من صعد المنبر في المسجد طلحة وبايعه بيده، وكانت أصابعه شلاّء، فتطيّر منها بعض من حضر وقال : لا يتمّ والله هذا الأمر! ثم بايعه

__________

(١) أنساب الأشراف : بيعة الإمام عليّ بن أبي طالب : ٢٠٥ ـ ٢١٩، تحقيق المحمودي .

(٢) تأريخ الطبري : ٣ / ٤٥٠، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت .

(٣) اليعقوبي : ٢ / ٧٥ .


الزبير وأصحاب النبيّ وجميع من في المدينة من المسلمين(١) .

وقد وصف هو (سلام الله عليه) موقف المسلمين منه وإصرارهم على بيعته في خطبته المعروفة بالشقشقية، حيث قال :فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع ينثالون عليّ من كلّ جانب مجتمعين حولي كربيضة الغنم، حتى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عِطفاي، فلمّا قمت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .

ومضى في خطبته هذه يصف موقفه من الخلافة فقال :أما والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز .

لقد تمّت البيعة لعلىٍّ عليه السلام بعد ما رأى أن لا مفر له منها في ذلك الجوّ المشحون بالفتن والاختلافات; وذلك بعد وفاة عثمان بثلاثة أيّام أو خمسة، وبايعه جميع المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن وفدوا على المدينة من الأمصار الثلاثة، ولم يتخلّف عن بيعته من القرشيّين سوى أفراد قلائل، كان من بينهم مروان بن الحكم وسعد بن أبي وقّاص وعبد الله بن عمر(٢) .

وليس بغريب على مروان بن الحكم والأُمويين إذا هم تخلّفوا عن بيعة عليّ أو كرهوها، كما يبدو للمتتبّع في تاريخ البيت الأُموي مع الهاشميّين وغيرهم من أصحاب الرسالات .

وأمّا سعد بن أبي وقّاص فلقد كان يتمنّاها لنفسه، ولو وسعه العمل من

__________

(١) الفتوح : ١ ـ ٢ / ٤٣٦، الأمم والملوك : ٣ / ٤٥٦ .

(٢) راجع الكامل : ٣ / ٩٨ ـ ٩٩، واليعقوبي : ٢ / ٧٥، الفتوح : ١ ـ ٢ / ٤٣٦.


أجلها لم يقصر، ولعله قد بدأ يفكّر فيها، فقد جعله ابن الخطاب أحد من تدور الخلافة في فلكهم وأعطاه أكثر مما يستحق، ولا أظنّه قبل ذلك كان يفكّر فيها، أو يتصوّر أنّ المسلمين سيجعلونه إلى جانب عليٍّ في يوم من الأيام، ولكنّه بعد أن رأى انصراف الناس حتى عن طلحة والزبير وهما أبرز منه، ولهما مكانتهما بين صحابة الرسول في المصرين الكوفة والبصرة لم يتعرّض لها، واكتفى أن يعتزل ولا يبايع عليّاً عليه السلام تضامناً مع الأُمويين الذين تربطه بهم القرابة من قبل أُمّه حمئة، وكان هواه معهم، ولم يقف منهم موقفاً معادياً حتى بعد أن عزله عثمان عن الكوفة وأعطاها لأخيه الوليد(١) ، وأمير المؤمنين يعلم منه ذلك كما يعلم بموقف الأُمويين وبما سيؤول إليه أمر طلحة والزبير وأكثر القرشيّين، وقد وصف موقفهم منه بعد البيعة بقوله :"اللهم إنّي أستعديك على قريش، فإنّهم قطعوا رحمي وأكفئوا إنائي، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا ساعد إلا أهل بيتي" .

وقال مرة أخرى :"ما لي ولقريش ؟ والله قاتلتهم كافرين ولأُقاتلنّهم مفتونين، وإنّي لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم" (٢) .

ومهما كان الحال فلمّا دعي سعد بن أبي وقّاص إلى البيعة; تمنّع منها تضامناً مع الأُمويين، فتركه أمير المؤمنين ولم يسمح للثائرين أن يستعملوا معه العنف، ولمّا دعي إليها عبد الله بن عمر بن الخطاب وامتنع منها; طلب منه كفيلاً بأن لا يشترك مع أحد في عمل ضدّه، ولمّا امتنع عن تقديم الكفيل تركه وقال للناس:خلّوه فأنا كفيله ، ثم التفت إليه وقال :"اذهب فإنّي ما علمتك إلا سيّئ الخلق صغيراً وكبيراً" .

__________

(١) حياة الإمام الحسن : ١ / ٣٨٤ عن الفتوح : ٢ / ٢٥٨ ـ ٢٥٩ .

(٢) نهج البلاغة : ٣٣٦، طبعة صبحي الصالح، رقم ٢١٧، الخطبة ٣٣ .


ولمّا تمّت البيعة; انصرف أمير المؤمنين عليه السلام منذ اليوم الأول يجنّد كلّ إمكانياته لإصلاح ما أفسدته بطانة عثمان في جميع شؤون الدولة، تلك البطانة التي تركت جميع الأجهزة تنخر بالفساد والانحلال، وكان يرى أنّ الواجب يدعوه لمعالجة الأهمّ فالأهمّ من المشاكل المستعجلة التي يتضجّر منها الناس، وتأتي في طليعتها مشكلة الولاة التي أثارت تلك الضجّة على الخليفة الراحل وأودت بحياته، حتى إذا فرغ منها اتّجه إلى غيرها من المشاكل التي يراها أكثر إلحاحاً وأعمّ نفعاً، ولم يكن ذلك ليمنعه من أن يبسط للناس السياسة التي سينتهجها في عهده الجديد .

وبعد أيام قلائل من خلافته وقف على المنبر ليعلن على الملأ المحتشد من حوله إلغاء بعض الأنظمة التي اتّبعها أسلافه خلال عشرين عاماً أو تزيد، وكان على ثقة بأنّ عمر بن الخطاب حينما قسّم الفيء حسب أقدار الناس وقدمهم في الإسلام قد استجاب لمصالحه الذاتّية أكثر مما استجاب لمبادئ الإسلام، وأنّ عثمان بن عفان حينما ترك أهله يعبثون به ويفسدون في الأرض قد استجاب للعنصرية الجاهلية وللروح الأُموية الحاقدة على الإسلام الذي لا يعطي أحداً على حساب أحد من الناس(١) .