تفرّقت جموع الحجيج من منطقة غدير خم متّجهة نحو العراق والشام واليمن، واتّجه النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم نحو المدينة. وحمل الجميع وصية الرسول صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم بالخلافة والقيادة من بعده لربيبه علي بن أبي طالب عليه السلام لتستمر حركة الرسالة

ــــــــــــ

(١) المائدة (٥): ٣ .

(٢) راجع تأريخ اليعقوبي: ٣ / ١١٢، ومسند أحمد: ٤ / ٢٨١، البداية والنهاية: ٥ / ٢١٣، وموسوعة الغدير: ١ / ٤٣، ١٦٥، ١٩٦، ٢١٥، ٢٣٠، ٢٣٨، ٢٧٦، ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٧، ٣٧٩، ٣٩٢، ٤٠٢، والجزء: ١١ / ١٣١.


الإسلامية بنهج نبويّ وتجتاز العقبات بعد رحيل القائد الأوّل وذلك بعد أن عرّف بعليّ عليه السلام في ذلك اليوم التاريخي الخالد بل منذ يوم الدار حيث أ نّه وصفه بالوزير الناصح والأخ المؤازر والعضد المدافع والخليفة الذي يجب على الناس من بعده أن يطيعوه ويتّبعوه ويتّخذوه لأنفسهم قائداً وزعيماً.

وبعد أن انبسط سلطان الدين وقويت مركزية القرار في المدينة لم يعد بأمر خطير نفور جماعة عن الدين أو ارتداد أفراد عن التسليم لما جاء به النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم أو وجود أفراد في الأطراف البعيدة عن المدينة يرون في عنصر الدين وسيلة لتحقيق بعض آمالهم ورغباتهم المريضة.

من هنا أخذ مسيلمة يدّعي النبوّة كذباً وكتب إلى النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم كتاباً ذكر فيه أ نّه بُعث أيضاً ويطلب فيه من النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم أن يشاركه في سلطان الأرض. ولما وقف النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم على مضمون الرسالة التفت إلى من حملها إليه وقال:(لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما لأنكما أسلمتما من قبل وقبلتما برسالتي فلِمَ اتّبعتما هذا الأحمق وتركتما دينكما؟) .

ثم ردّ على مسيلمة الكذّاب برسالة كتب فيها:(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب. السلام على من اتّبع الهدى، أما بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) (١) .

وقد أفلح المسلمون في القضاء على حركات الارتداد التي قام بها بعض الدجّالين مثل الأسود العنسي ومسيلمة وطلحة.

ــــــــــــ

(١) السيرة النبوية: ٢ / ٦٠٠.


٦ ـ التعبئة العامّة لغزو الروم (١) :

أبدى النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم اهتماماً كبيراً للحدود الشمالية للدولة الإسلامية حيث تتواجد دولة الروم المنظمة وصاحبة الجيش القوي. ولم تكن دولة فارس ذات أثر مُقلق على الدولة الإسلامية لأنّ علامات الانهيار كانت قد بدت عليها، كما أنها لم تكن تملك عقيدة روحية تدافع عنها كالمسيحية لدى الروم، فهي التي كانت تشكّل خطراً على الكيان الإسلامي الفتيّ، خاصة وأن بعض عناصر الشغب والنفاق قد أجليت عن الدولة الإسلامية فذهبت إلى الشام ولحق بها آخرون، وكان وجود نصارى نجران عاملاً سياسياً يدفع الروم لنصرتهم.

ومع ذلك فإنّ كل هذه الاُمور لم تكن عوامل آنيّة تستدعي الاهتمام الكبير الذي ظهر واضحاً من إعداد النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم لجيش كبير ضمّ وجوه كبار الصحابة ما خلا علياً وبعض المخلصين معه فقد أراد النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم أن يخلو الجو السياسي من أمور قد تعيق عمليّة انتقال السلطة إلى علي بن أبي طالب عليه السلام للقيام بمهام الخلافة من بعده، بعد أن لمس النبيّ تحسّساً وانزعاجاً من بعض الأطراف بعد تأكيده المستمر على مرجعيّة عليّ عليه السلام وصلاحيّته لإتمام مسيرة النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم وخصوصاً بعد بيعة الغدير، فأراد النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم أن يخلو الظرف من التوتر السياسي في المدينة ليتم استلام علي عليه السلام لزمام الدولة من بعده دون صِدام وشجار; ولهذا عقد النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم لواءً وسلّمه إلى أُسامة بن زيد ـ القائد الشاب الذي نصبه الرسول صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم في إشارة بليغة إلى أهمية الكفاءة في القيادة ـ وجعل تحت إمرته شيوخ الأنصار والمهاجرين، وقال له: (سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد ولّيتك هذا الجيش فاُغز صباحاً على أهل اُبنى) .

ــــــــــــ

(١) عقد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللواء لاُسامة في صفر عام ( ١١ هـ ) .


ولكنّ روح التمرد والطمع في السلطان وقلّة الانضباط دفعت بعض العناصر إلى عدم التسليم التام لأمر النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم ولعلّها كانت عارفة بالأهداف التي قصدها النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم ومن هنا حاولت أن تؤخّر حركة الجيش المجتمع في معسكر (الجرف). وبلغ النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم ذلك فغضب وخرج ـ وهو ملتحف قطيفة، وقد عصَّبَ جبهته بعصابة من ألم الحمّى التي أصابته ـ إلى المسجد فصعد المنبر ثم حمد الله وأثنى عليه وقال:( أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة، ولئن طعنتم في إمارتي أُسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله وأيم الله إن كان للإمارة لَخليقاً وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ وإنّهما لمخيلان لكل خير (١) ، واستوصوا به خيراً فإنه من خياركم) (٢) .

واشتدت الحمى برسول الله صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم ولم يُغفله ثقل المرض عن الاهتمام الكبير لخروج الجيش فكان يقول:(أنفذوا جيش أُسامة) (٣) لكل من كان يعوده من أصحابه ويزيد إصراراً بقوله:(جهّزوا جيش أُسامة لعن الله من تخلف عنه) (٤) . وأوصل بعض المسلمين أنباء تدهور صحة النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم إلى معسكر المسلمين في الجرف فرجع أُسامة لِيعود النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم فحثّه النبيّ على المضيّ نحو هدفه الذي رسمه له وقال له:(اُغد على بركة الله) .

فعاد أُسامة مسرعاً إلى جيشه يحثه على الرحيل والتوجه للقيام بالمهمة المخوّلة إليه ولكن المتقاعسين وذوي الأطماع في الخلافة تمكّنوا من عرقلة مسيرة الجيش زاعمين أنّ النبي صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم يحتضر، بالرغم من تأكيد الرسول صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله‌ وسلم بالتعجيل في المسير وعدم التردّد في المهمّة التي جعلها على عاتق جيش أُسامة.

ــــــــــــ

(١) بمعنى أنهما ممن يتفرّس فيهما كل خير. والخوليّ: هو الراعي الحسن القيام على المال.

(٢) الطبقات الكبرى: ٢ / ١٩٠، ط دار الفكر.

(٣) المصدر السابق.

(٤) الملل والنحل : ١ / ٢٣.